كاتب قطري: ما حدث في البحرين ثورة شعبية

الكاتب القطري أ. د. علي الهيل

الدعم المحدود نسبيا في الخليج العربي للثورة الشعبية البحرينية مقارنة بالثورات الشعبية العربية الأخرى في تونس ومصر وليبيا واليمن، يمكن أن يُعزى إلى شكوك ساورت الكثيرين حول تحول خطها الوطني الشعبي إلى خط طائفي. وبغض النظر عن تلك الشكوك وإن كان لها ما يبررها إلى حد ما، فإن الصورة النمطية الطائفية التي وُصمت بها في المطلق يجردها من مشروعية مطالبها، حتى تلكم التي كانت في بدايتها الوطنية النقية، وهي المطالب عينها التي أقرتها الحكومة البحرينية نفسها ودعت للتحاور حولها، وهي وإن كانت دعوة متأخرة من حيث التوقيت إلا أنها أثبتت اعتراف الحكومة بأخطائها وتداركها لها.

وكان الأمر يمكن أن يكون أقل كلفة بكثير لو أن تلك الدعوة للحوار وتنفيذ المطالب تم قبل اضطرار المواطنين للنزول إلى الشارع. وأصلاً القول بطائفية الثورة الشعبية البحرينية هو حكم قيمي قاطع.

كما أن افتراض أو اقتناع البعض بأنها ليست شعبية بحرينية وطنية في خطها العام وذات مطالب عادلة كغيرها، يبخس الناس المظلومين أشياءهم. وكان يمكن بدلا من الموقف السلبي الذي اتخذه بعض قادة الرأي من الثورة البحرينية أن يعي أولئك القادة الناس، سنة وشيعة، وهم أهل دين واحد وينصحونهم بضرورة حصر المطالب الشعبية في إطارها الوطني البحريني، وعزلها والنأي بها عن مصادر التأثير الخارجية ومحاولات الداخل لمذهبتها وتضليلها وتلويثها لصالح أجندات لا تخدم أهدافها.

وعلى أي حال، فإن كانت السنة تعني اتبــاع سنة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) فنحن كلنا سنة إذن، وإن كانت الشيعة تعني مشايعة أهل بيت سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) فنحن إذن كلنا شيعة. وليس ثمة فروقات جوهرية بينهما.

والمذهب الشيعي كما السني تعرضا للتسييس منذ القرن الأول الهجري، وبعد أربعين سنة أو نحو ذلك من وفاة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). ومثل هذا الطرح الفكري الموضوعي ينادي به الكثيرون من السنة والشيعة من رواد الوسطية والتقريب بين المذاهب. ومع ذلك يمكن القول إن الثورة الشعبية البحرينية – كما لاحظ الكثيرون – هبت عليها رياح تسييسية طائفية، بدءاً من أسبوعها الثالث تقريباً أجبرت بوصلتها على الانحراف عن غاياتها النبيلة.

وهو أمر أغضب وأحزن المتعاطفين بالكاد، بالدرجة نفسها مع مطالب الثوار الأساسية، التي لم تختلف عن تلك التي في تونس ومصر وليبيا واليمن والسعودية وعمان وسورية والأردن وغيرها. وكما يحدث غالبا في كثير من الثورات الشعبية، إذ يلتف عليها البعض ويتم التسلق على أكتافها في غفلة ربما من أصحابها الذين قاموا بها لأسباب واقعية إمبيريقية ميدانية صحيحة.

وقد تجلت تلك الغايات في البداية النقية للثورة، أي قبل التسييس والتمذهب في الحرية والديمقراطية والمشاركة السياسية والدولة المدنية والمساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء البلد الواحد بكل فسيفسائيته، سنة وشيعة ومسيحيين ويهودا، والقضاء على البطالة، والعيش الكريم، إلا أن ذلك كله ومع رفضنا المطلق لأجندة الثورة وتسييسها يجب ألا يخرجها عن كونها ثورة وطنية شعبية مشروعة في الأساس، كشقيقاتها العربيات، تم للأسف تجييرها لصالح أجندات طائفية باندساس عدد من المغرضين، بالنظر إلى طبيعة التركيبة السكانية لمملكة البحرين، إذ يبلغ نسبة البحرينيين الشيعة زهاء سبعين في المائة من جانب، ومن جانب آخر شكوى كثير من المواطنين الشيعة من الحرمان من حقوقهم كما يبدو.

وإضافة إلى ذلك كله، إن كل من يتحدث عن طائفية محضٍ في المظاهرات البحرينية يعاني من جهل شديد بالعوامل السوسيو تاريخية والسوسيو ثقافية والجيو ديمغرافية والجيو ثيولوجية والدينية والجيو سياسية والاقتصادية للبحرين، وتغذيتها وتأثيرها على البناء السكاني لمملكة البحرين منذ حضارتي (دلمون وأُوال) وليست هذه العوامل وليدة الأمس أو اليوم.

إن كون سبعين أو أكثر في المئة من مكونات التركيبة السكانية الأصيلة والأصلية للبحرين من المواطنين البحرينيين العرب الأقحاح الشيعة منذ فجر التاريخ، لا يجعلهم مذنبين أو يجعلهم يشعرون بالذنب، فهي ليست جريرتهم ولا ذنبهم، غير أنها طبيعة الحراك السكاني في البناء السكاني البحريني. ويجب، بأي حال من الأحوال، ألا يُنظر إليهم من قِبَلِ أولئك الجهلاء بتاريخ البحرين السكاني، أنهم دخلاء أو متطفلون بل هم في صلب النسيج البحريني.

وقد عاش الشيعة لآلاف السنين مع أبناء جلدتهم ووطنهم من السنة واليهود (كعائلة النونو وغيرها) متحابين متآلفين، قبل أن تدخل عليهم الدواخل السياسية الإقليمية من دول الشيعة والسنة بدرجات متفاوتة.

وبفضل هذه اللُّحمة والسدى التي جمعتهم وتجمعهم دائما وما تزال تجمعهم في تعايش سلمي أنموذجي (وما يحدث حاليا من محاولات تفريق بينهم من السنة والشيعة عموما ما هو إلا زبد، وكما قال جَلَّ من قائل ‘وأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض’).

فقد كانت البحرين أول بلد في الخليج العربي ظهر فيه التعليم الحديث، وأول بلد في الخليج العربي ظهر فيه النفط، وأول بلد في الخليج العربي ظهرت فيه صناعة الألومنيوم، وأول بلد في الخليج العربي ظهرت فيه كليه الخليج التقنية، وأول بلد في الخليج العربي ظهرت فيه التيارات الماركسية والشيوعية، والأفكار المتقدمة الأخرى كالليبرالية والديمقراطية، استلهاما من روح الإسلام كما سنبين.

ولمن لا يعرف فإن (الماركسية) هي (المحمدية) لأن محمدا (صلى الله عليه وسلم) سبق كارل ماركس في طروحات (العدالة الاجتماعية Social Justice) و(تقسيم العملDivision Of Labour ) بل وكانت (المحمدية) أكثر راديكالية في هذا المضمار من (الماركسية).

ولمن لا يعرف فإن (الشيوعية) هي مبدأ إسلامي دعت إلى شيوعية الغِلة وشيوعية الثروة وشيوعية الأرض قبل ظهورها في الاتحاد السوفييتي السابق بزمن بعيد. ولمن لا يعرف فإن تحرر المرأة البحرينية كان مبكرا وسبق كل دول الخليج العربي بعقود أربعة تقريبا، وقبل أن تعرف المرأة في الخليج العربي معنى الخروج من خِدرها.

فعلى سبيل المثال، كان عدد المهندسات البحرينيات في مصنع الألومنيوم عام 1970 أكثر من خمسين مهندسة، وكان عدد المعلمات البحرينيات في (كلية الخليج التقنية أو الفنية) في العام نفسه يفوق المئة، في وقت كان عمل المرأة في بقية دول الخليج العربية خارج بيتها يُعدُّ ضربا من المستحيل، مع استثناءات محدودة محتملة في دولة الكويت.

وقد شهدت البحرين زيجات مشتركة واسعة بين السنة والشيعة، وهو أمر يعد للأسف تابوها أو من المحرمات والخطوط الحمراء في دول الخليج العربية الأخرى.

Advertisements

About shiasaudia

Shia Saudia

Posted on 2011/03/31, in مقالات. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: